الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

41

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ، أي ظهرت فروجهما لكل منهما ، بسبب تساقط حلل الجنة عنهما لمّا أكلا من الشجرة . وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي شرعا يلزقان ورق التين بعضه ببعض ، لأجل ستر عوراتهما ، كلما ألزقا بعضه ببعض تساقط . وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ، بأكله من الشجرة أي خالف آدم نهي ربه ، لأنه اعتقد أن النهي عن شجرة معينة ، وأن غيرها ليس منهيا عنه فَغَوى ( 121 ) . أي خاب من نعيم الجنة فلم يصب بأكله من الشجرة ما أراده ، لأنه إنما أكل منها ليصير ملكه دائما ، فلما أكل زال ملكه ، وخاب سعيه . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ أي قرّبه بالتوفيق للتوبة ، فَتابَ عَلَيْهِ ، أي قبل توبته حين تاب هو وزوجته ، وَهَدى ( 122 ) إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة . قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً أي انزلا يا لآدم وحواء من الجنة إلى الأرض ، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فالخطاب لآدم وحواء ولإبليس . وقيل : مع آدم ، وذريته قابيل وأقليما ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، أي فإن يأتكم يا ذرية لآدم مني دلالة من كتاب ورسول فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ، أي دلالتي فَلا يَضِلُّ في الدين والدنيا وَلا يَشْقى ( 123 ) ، بسبب الدين فيها وفي الآخرة . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ، أي عن الهدى الداعي إلي ، فَإِنَّ لَهُ ، في الدنيا ، مَعِيشَةً ضَنْكاً . أي ضيقة ، وهي معيشة الكافر فإنه يكون حريصا على الدنيا للزيادة أبدا ، فحالته مظلمة ، لأن مطامح نظره مقصورة على أمتعة الدنيا ، وهو خائف من انتقاصها . أما المسلم فهو يعيش في الدنيا عيشا طيبا لتوكّله على اللّه تعالى ، فإن المؤمن الطالب للآخرة يوسّع ببركة الإيمان . وَنَحْشُرُهُ أي المعرض عن الأدلة ، يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) ، أي فاقد البصر أي فإذا خرج هو من القبر خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي ، فإذا دخل النار زال عماه ، ليرى محلّه وحاله . قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) في الدنيا وعند البعث ؟ قالَ كَذلِكَ ، أي مثل ذلك فعلت أنت . ثم فسّره بقوله تعالى : أَتَتْكَ آياتُنا أي دلائلنا في الدنيا واضحة بحيث لا تخفى على أحد ، فَنَسِيتَها أي تركتها ، وَكَذلِكَ أي مثل تركك آياتنا في الدنيا الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) . أي تترك في العذاب جزءا وفاقا وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية ، نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ، بالانهماك في الشهوات ، وَلَمْ يُؤْمِنْ ؟ ؟ ؟ بِآياتِ رَبِّهِ ، بل كذّبها ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) ، من عذاب الدنيا وعذاب القبر . أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ، أي أغفلوا ، فلم يفعل الهداية لهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : أفلم نهد بالنون ، أي أفلم نبيّن لأهل مكة بيانا يهتدون به كثرة من أهلكنا من القرون الماضية من أصحاب الحجر ، وثمود ، وقريات قوم لوط . يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ، حال من الضمير لهم ، أي حال كون هؤلاء القريش ماشين في منازل تلك القرون إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكهم . إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإهلاك لَآياتٍ ظاهرة الدلالة على الحق ، لِأُولِي النُّهى ( 128 ) . أي لأهل العقول الناهية عن القبائح . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ،